03‏/02‏/2013

انتكاســـات ودكتـاتـوريـــات جديـــدة

انتكاســـات ودكتـاتـوريـــات جديـــدة

وفاء البوعيسى
كاتبة ليبية مقيمة في هولندا

لا يمكن تجاهل ما يحدث اليوم بالمنطقة العربية والعالم, بسبب ذلك الربيع, الذي جاءنا ذات نهار شتوي, بانتفاضة شعب بأكمله, لشاب مُعدم أضرم النار في نفسه, ليصير وقودا لثورات أخرى وصلت لأعتاب الصين والمملكة المتحدة, في تسلسل درامي للأحداث, لا تكاد تمنحنا وقتا لالتقاط أنفاسنا.
كان مشهد انتقال الثورة من بلد إلى بلد, ومن قارة إلى قارة, صادما حتى لأكثر المراقبين توقعا وتوقا لها, والشوارع تغص بالملايين حول العالم, تهدر غاضبة لإسقاط حكامها, لوّن الأشياء بالأمل والتفاؤل, فتح الباب على زقزقة الحرية, وضجة حقل محرّر, وانتهاء الصرير والصدأ الذي علا الشفاه طويلا, وجعل الشعور باستعادة الكرامة من جديد ممكنا, والتطلع لعيش حالة من الإحساس بالقيمة والتقدير تنتمي إلى عالم الواقع.
لم يكن غريبا, أن تضطر بعض الشعوب لاقتلاع حكامها بالقوة, وتنتزع حقها في أن تكون طرفا ـ رئيسيا ـ في اتخاذ القرار السياسي وتحديد مصيرها, ورسم سياسات بلدها, فقد جاء بعض أولئك الحكام بقوة السلاح, واستمروا بقوة السلاح, فكان انتزاعهم بذات الطريقة, هو الحل الأقرب للمنطق, وبذل الدماء وقوافل الشهداء, هو الخيار الوحيد المتبقي, لكن ذلك كله لم يمنع حقيقة تُطل علينا برأسها طوال الوقت, وتضعنا في سؤال مع أنفسنا طوال فترات تقدم وتقهقر تلك الثوارت, وهي أن الشعوب التي انتفضت على الدكتاتوريات أخيرا, وأسقطتها بالنهاية, تبدو كما لو أنها غير مُهيَّأة لهذا المد الذي جرفها, فانجرفت معه, وانقادت للتيار الذي سحبها بوعي أو بغير وعي.
إنها ذات الشعوب التي كانت البارحة فقط تمجد الحكام, وتمارس كل أشكال الاستزلام والتزلف, لتحظى برضا الحاكم, وتتقي غضبه, حتى انبرت النخب والجمهور أيضا, تشارك في عملية الاستزلام والتزلف تلك, إذ لم يكد يخلو بلد عربي واحد, من وضع ذات الحاكم موضع التبجيل والمديح, تُنشد له الأناشيد, وتُنظم لأجله القصائد, ويُكال له المديح إذا التفت يمينا أو يسارا, يُبارك ما يفعله وما لا يفعله, يُسبَّح بحمده فى كل المناسبات, تضخّم كل إنجازاته مهما كانت تافهة, ويجري التغاضي عن أخطائه, ولو كانت إقامة المجازر والمذابح بحق من يختلفون معه بالرأي أو التوجه, وهي ذات الشعوب التي تذهب اليوم لصناديق الاقتراع, وتعطي صوتها الذي بُح من الهتاف «للحاكم المخلوع أو المقبور», ومن الهتاف لاحقا بسقوطه وتنحيه, للأحزاب الإسلامية التي غابت عن المشهد «الثوري», وتراجعت وهي تنتظر المنتصر, ولم تنسَ أن تذكّر «الثائرين» بطاعة ولي الأمر, وعدم الخروج عليه, واستعادة وتكرار منظومة الأحاديث, والآيات التي تتوعد «المارقين» والمخالفين لشرع الله, تذهب طائعة مختارة, بملء إرادتها في معظم الأحوال, لتمنح ثقتها وأملها لأحزاب, قضى بعض أفرادها عقودا بأكملها, إما مطاردين على تلال أفغانستان والباكستان, أو بين قضبان غوانتانامو, أو بسجون الأنظمة المنهارة, بعد تبادل طويل بينهما للعب أدوار بارزة بمسلسل الدم, وقتل المعارضين لهما من الجانبين, تلك الأحزاب التي تعلن مشروعا «ممسوخا» وغير مفهوم, لإقامة دولة «إسلامية مدنية», ولولا القلق من الغرب الذي يراقب «مصالحه» في المنطقة, والذي لا يؤمن شره, لأعلن هؤلاء عن حقيقة ما يريدونه لشعوبهم, وهو «إقامة دولة إسلامية», تقوم على ابتعاث «الفتوحات» وإحياء مفهوم الخلافة.

انتكاسات

فالشعوب حين تفعل ذلك, حين تذهب بعد كل تلك التضحيات, لإعطاء صوتها وتأييدها لأحزاب ذات توجه ديني, كما حدث بمصر وتونس, وكما يبدو من تقبل الشارع الليبي لوجود شخصيات بخلفية دينية وصاحبة مشروع سابق بالتكفير, داهنت النظام في ما بعد, ودخلت معه في حلف, وأعلنت مراجعتها لفكرها, وتولت الوظائف «المجزية», تكون قد قررت كفرها هي أيضا, بالأفكار الليبرالية والاشتراكية والقومية, لكونها لم تقدم في وضعها شيئاً, ولم تفعل شيئا غير تغييبها طوال عقود, والإمعان في تأزيم أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية, وتشعر بتعاطف من حيث لا تدري, مع أصحاب ذلك المشروع, التي عانت ربما أكثر من غيرها من اضطهاد النظام, وعبر عقود من الإقامة بالمنفى «الاضطراري», علاوة على القتل والسجن الطويل الأمد بدون محاكمة, وهي أيضا تكون قد ارتضت كثيرا القيام بالثورة الأسهل والأيسر, رغم ما يبدو فيها من تضحيات, فهي قد قامت فقط بإنهاء حكام وحتى إنهاء أنظمتهم بالكامل, لكنها تكون قد تقاعست عن القيام بالثورة على ذاتها وعلى تبعيتها, وعلى إصرارها على خلق وإنتاج دكتاتوريين جدد, بلبوس ديني, بدل اللبوس العلماني.
لذا من المرجح جدا ـ من وجهة نظري ـ أن الثورات العربية, مرشحة للوقوع في انتكاسات, ومرشحة للوقوع بيد دكتاتوريات جديدة تصنعها الشعوب بصناديق الاقتراع, أما الغرب الذي يراقب «مصالحه» في المنطقة, ويتأهب لحلحلة أزماته المالية المتفاقمة, والتي تهدد بانهيار اقتصادياته, فإن فوز الاسلاميين, قد يسبقه مباركة لتحقيق ثلاثة أهداف دفعة واحدة, إذ لا تكون أولا قد عارضت إرادة الشعوب بالمنطقة, ولا تعود تظهر بمظهر المعادي للإسلام, وهي فرصة ثانيا لتحسين صورتها بالمنطقة, إذ لم تفرض حاكماً «من صنيعتها» مثلما فرضت كرزاي وغيره على الشعوب العربية والإسلامية بالمنطقة, وهي ثالثا, تحقق الهدف الأكبر بتقديري, حين تسعى لضرب لحمة القاعدة من الداخل بمكافأتها «للمنشق», من الذين ينتمون لفكرها إيديولوجيا وتنظيميا, فهي بمباركتها ودعمها «لخيار الشعوب» في وصول إسلاميين سابقين, بخلفيات ارتبطت بالقاعدة يوما, وبمشاريع أوصلت بعضهم للسجون, سواء ببلدانهم أو بغوانتانامو, قد تشجع البعض منهم على الانخراط في «التطبيع» الجديد معها, ونيل مناصب وسلطة وصلاحيات, من دون قلق من ملاحقة باسم حقوق الإنسان ولا تهديد لأمنها القومي, لا سيما أن ثورة اليمن تمر بمرحلة حرجة, قد تدفع بالبلاد لهاوية الحرب الأهلية, وهي بلد نشط في إيواء الجماعات المتشددة وعناصر القاعدة, وتفجير صراع كبير بالمنطقة, وتهديد منطقة الخليج الغنية, وفرصة استمالة عناصر من القاعدة, أو على أقل تقدير, استمالة المنتمين إليها إيديولوجيا, ومباركة وتشجيع وصولهم لمراكز قرار, وتحت رعاية وتأييد شعبي ودولي, يسمح بطريقة أو بأخرى بتشجيع غيرهم لتقليدهم, والتخلص من حياة المطاردات والتخفي والملاحقة والتهديد بالسجن والقتل.

ليست هناك تعليقات: